عبد الملك الجويني

36

الشامل في أصول الدين

وقال بعضه الأئمة : الجوهر ما يشغل الحيز أو المتحيز ، ولا معنى لقول من يقول : إن التحيز مجهول . والمقصد من الحد البيان فإن الحيز معقول ، وكذلك شغل الحيز ، إذ الحيز يعبر به عن الناحية والجهة ، وحيز المتحيز اختصاصه بجهته . وهذا بين لمن تأمله غير ملتبس . وقال بعض الأئمة : الجوهر : كل جزء ، وهذا من أحسن الحدود ، ويؤول إلى المتحيز ولكنه أبين منه عند الإطلاق . وربما عبر القاضي عنه فقال : الجوهر ما له حظ من المساحة . وقال المعتزلة : الجوهر ما تحيز في الوجود . وهذا الحد مدخول ، فإنهم قد أثبتوا الشيء جوهرا في العدم ونفوا تحيزه ، ثم لما حدوا الجوهر ، قالوا : هو المتحيز في الوجود ، فشرطوا في الحد الوجود . والحد يفارق المحدود . فإذا كان مشروطا ، وجب كون المحدود مشروطا حتى يتوقف كون الجوهر جوهرا على الوجود ، كما يتوقف التحيز عليه . قالت النصارى « 1 » : الجوهر هو القائم بالنفس . وسنوضح الرد عليهم إن شاء اللّه . وأول ما نحتاج إلى الخوض فيه من أحكام الجوهر إثبات الجوهر الفرد . فصل [ الجوهر الفرد ] اتفق الإسلاميون على أن الأجسام تتناهى في تجزئها حتى تصير أفرادا ؛ وكل جزء لا يتجزأ فليس له طرف واحد وجزء شائع لا يتميز . وإلى ذلك صار المتعمقون في الهندسة ، وعبروا عن الجزء بالنقطة ؛ وقطعوا بأن النقطة لا تنقسم . وصار معظم الفلاسفة إلى أن الأجرام لا تتناهى في تجزئها . وإلى ذلك صار النظام من المنتسبين إلى الفلسفة . ونحن نوضح وجوه الرد على الفلاسفة أو لا ، ثم ننعطف على النظّام ونوضح له أداء مذهبه إلى هدم قواعد الدين ؛ فنقول وباللّه التوفيق : إذا نظر الناظر إلى جسم بسيط وعلم أحد طرفيه ، ثم صور نملة تفتتح الدبيب من أحد طرفي الجسم ، ولا تزال كذلك حتى تنتهي إلى الطرف الآخر ، فقد استيقنا أنها قطعت الجسم وخلفت أجزاء البسيط . فلو كانت أجزاؤه غير متناهية ، لما تصور الفراغ من قطعه وتخليفه ، إذ الانقضاء ينبئ عن الانتهاء ، وما استحال عليه وصف الانتهاء ، لم يعقل فيه الانقضاء . فإن قال قائل : إنما يقطع الجسم البسيط بقطع جملة غير متناهية ، فلم يبعد أن يقطع ما

--> ( 1 ) النّصرانية : دين أتباع المسيح عليه السلام ، وأهلها النصارى ، واحدهم نصراني .